الشيخ محمد هادي معرفة
203
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
الرجل ممقوتا عند رجال السلطة الحاكمة ، لا سيّما وكان يجابههم بما يخشون صراحته وصرامته ، ومن ثَمّ كان طاغية العرب معاوية الهاوية ، يلعنه ضمن النفر الخمسة الذين كان يلعنهم في قنوته « 1 » ، وكان ذلك من شدّة قنوطه من رحمة اللّه التي وسعت كلّ شيء ، أنّه من قوم غضب اللّه عليهم قد يئسوا من الآخرة كما يئس الكفّار من أصحاب القبور « 2 » . وللمولى محمّد تقيّ التستريّ رحمه الله تحقيق لطيف بشأن براءة الرجل من إلصاق هكذا تهم مفضوحة ، وأنّه لم يزل في خدمة المولى أمير المؤمنين عليه السلام لم يبرح البصرة حتّى قُتل الإمام عليه السلام . وكان من المحرِّضين لبيعة الإمام الحسن المجتبى عليه السلام . وبعد أن تمّ الصلح اضطرّ إلى المغادرة إلى بيت اللّه الحرام حتّى توفّاه اللّه ، عليه رضوان اللّه « 3 » . ولسيّدنا الأستاذ العلّامة الفاني - رحمة اللّه عليه - رسالة وجيزة في براءة الرجل ، استوفى فيها الكلام بشأنه ، جزاه اللّه خيرا عن الحقّ وأهله « 4 » . توسّعه في التفسير ولم تمض العشرة الأُولى من وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلّا ونرى ابن عبّاس قد تفرّغ للتفسير واستنباط معاني القرآن « 5 » . بينما سائر الصحابة كانت قد أشغلتهم شؤون شتّى ، ممّا يرجع إلى جمع القرآن أو إقرائه ، أو تعليم السنن والقضاء بين الناس ، أو التصدّي لسياسة البلاد ، وما شاكل . وإذا بابن عبّاس نراه صارفا همّته في فهم القرآن وتعليمه واستنباط معانيه وبيانه ، مستعيضا بذلك عمّا فاته أيّام حياة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لمكان صغره وعدم كفاءته ذلك الحين . فكان يستطرق أبواب العلماء من الصحابة الكبار ، كادّا وجادّا في طلب العلم من أهله أينما وجده ، ولا سيّما من الإمام أمير المؤمنين باب علم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، كما لم يفته عقد حلقات في مسجد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لمدارسة علوم القرآن ومعارفه ونشرتعاليم الإسلام من
--> ( 1 ) - . وهم : عليّ والحسن والحسين وابن عبّاس والأشتر . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ، ج 15 ، ص 98 ؛ راجع : بحار الأنوار ، ج 42 ، ص 176 ط بيروت . ( 2 ) - . من الآية رقم 13 من سورة الممتحنة . ( 3 ) - . قاموس الرجال ، ج 6 ، ص 2 - 65 ط الأُولى . ( 4 ) - . طُبِعت في قم المقدّسة ، سنة 1398 ه . ق . . ( 5 ) - . كما قال الزركشيّ : « وهو تجرّد لهذا الشأن » البرهان في علوم القرآن ، ج 2 ، ص 157 .